عماد الدين الكاتب الأصبهاني
مقدمة 61
خريدة القصر وجريدة العصر
تر العيون مثله « 1 » » . ولا ريب في أن للعماد آثارا بارعة تشهد بتقدمه ، ولا سيما في الشعر والنثر ، وتؤيد جملة ما أشاد به معاصروه ومؤرخوه من فضائله ، ولا بدّ أن تجد خلف كل شهرة مستفيضة من لمع من الصدق وبوارق من الحقيقة . * * * نثره : نهج العماد في كتاباته منهجيا فنيا خالصا معقّدا كل التعقيد ، وكتب به التأريخ الثقافي والسياسي والحربي لعصره كما كتب رسائله الديوانية ، فسجع ورصّع ووشّع وجانس وطابق وقابل ووازن ، وافتنّ ما شاء له أدبه أن يفتنّ به من هذه الألوان البديعية ، فلا تدري ، وأنت تقرأ تواريخه ، أيكتب أدبا أم يكتب تأريخا . وقد كان من أوائل من حفلوا بالأسلوب المسجوع في تدوين التأريخ أبو النصر العتبي ، المتوفّى سنة 427 ه ، في تأريخه « اليميني » الذي أرخ فيه يمين الدولة السلطان محمود بن سبكتكين الغزنوي ، فأبرّ العماد عليه ، وزاد في التصنع والتعقيد ، وأغرق في استخدام ألوان البديع إغراقا لا حدّ له ، انسياقا في طريقة أصحاب « المقامات » التي سيطرت على أقلام الكاتبين في العصور الإسلامية الوسطى ، وكانت طراز الأدباء في البلاغة والفن ما بين المشرق والأندلس . وقد بلغ هذا التصنع ذروته في القرن السادس عند القاضي الفاضل وأتباع طريقته ، وكان العماد الكاتب من أظهرهم شأنا فيها . ومن سمات هذه الطريقة الكتابية المبالغة الشديدة في انتقاء الشوارد والفصح وما له رنين في السمع من ألفاظ اللغة ، للمجانسة والمشاكلة والموازنة والترصيع ، والإمعان في زخرفة الكلام وإشاعة ألوان البديع فيه ، ليدل بذلك الكاتب على مقدرته البالغة .
--> ( 1 ) ابن الساعي ، وقد نقله عنه ابن السبكي في طبقات الشافعية ( 4 / 98 ) .